طريقك إلى الجنة – بر الوالدين من القرآن والسنة | إعداد محمد منتصر الحلواني


قرأه فضيلة مفتي الديار المصرية

أ.د على جمعة

نال شرف الإعداد / محمد منتصر أحمد حامد الحلواني

القاهرة : 23415960 – 0101533154

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد ،،

فقد افتقد الناس في هذا العصر الذي نعيشه كثيرًا من مظاهر بر الوالدين والإحسان إليهما ، حتى أصبح العقوق ظاهرة اجتماعية سيئة تبعث على الأسى والأسف ، واحتاج الأولاد على من يذكرهم بهذه الفريضة الإلهية العظيمة في غمرة لُهاثهم خلف تيار الحياة الذي ينظر أمامه ولا ينظر خلفه ، وقد عظم الشرع الشريف شأن الوالدين ، فأمر ببرهما والإحسان إليهما ، وقرن الله تعالى بعبادته ، مع أمره بمخاطبتهما بكريم القول ونهى عن إيذائهما ولو بكلمة تدل على التضجر والتبرم ، فقال سبحانه : ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا
[ الإسراء : 23-24] ، وقرن شكرهما بشكره ، فقال تعالى : ﴿
أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ [ لقمان : 14] ، وهذا الاهتمام جاء لأن الله تعالى جعلهما من أعظم المظاهر الكونية التى تجلت فيها صفة الخلق والرحمة ، ولذلك وصى الله سبحانه بمصاحبتهما بالمعروف حتى ولو كانت كافرين ، فقال تعالى : ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾ [ لقمان : 15] .

والناظر المتأمل في حال الأمة الإسلامية يرى أن صلاح أمرها والخلاص لها مما هى فيه إنما يكون بتربية أبنائها على جب النبي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وآل بيته الكرام عليهم السلام ، وترسيخ قيمة بر الوالدين في نفوس أبنائها ، وفى ذلك فليتنافس المتنافسون .

ومن هنا كانت هذه الرسالة نواة طيبة للإصلاح بالتذكير ببر الوالدين من القرآن الكريم والسُّنّة النبوية المطهَّرة ، وقد أحسن كاتبها الأستاذ / محمد منتصر الحلواني
حين ساق فيها من أدلة شرعية ووصايا العلماء وحكايات السلف ما يبين أهمية رضا الوالدين في اكتساب رضا الله تعالى ودخول الجنة .

نسأل الله تعالى أن يصلح حال المسلمين ، وأن يَرُدَّهم إلى دينهم ردًّا جميلاً ، وأن ينشر بين أبناء الأمة البر بوالديهم وحب المصطفة - صلى الله عليه وسلم - وآل بيته الأطهار ، وأن يبارك فى هذه الرسالة وينفع بها وبمؤلفها ، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناته يوم يلقاه ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

أ.د / علي جمعة

مفتى جمهورية مصر العربية


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ …. (43)

[ الأعراف ]

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وأزواجه وذريته وأصحابه ، وبعد

فهذا كتاب دافعه الحرص على شباب الأمة الإسلامية وفتياتها وشيوخها ونسائها من الوقوع فى مهالك الردى وغضب الله بسبب عقوقهم لآبائهم وأمهاتهم ، والرغبة في اغتنامهم رضوان الله عز وجل ونعيمه المقيم بشيء يسير وهو كسب رضا الوالدين وتجنب ما يسخطهم ، وفيه تيسير الطريق لمن أراد أن يكون بارًّا بوالديه ، وتحذير العاق من عقوقهم .

وأسأل الله تعالى أن ينفع بهذا الكتاب وأن يجزي مؤلفه وكل من ساهم فى إخراجه ونشره وتوزيعه خير الجزاء وأن يجعله الله فى ميزان حسناتهم .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

أ.د / عبد العظيم فتحي خليل

من علماء الأزهر الشريف والأستاذ بجامعة الأزهر .


الفصل الأول : من أدعية الأنبياء والصالحين لآبائهم فى القرآن الكريم

(1) دعاء سيدنا إبراهيم عليه السلام :

﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41) ﴾ [ إبراهيم ]

(2) دعاء سيدنا نوح عليه السلام :

﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ .. (28) ﴾ [ نوح ]

(3) دعاء سيدنا سليمان عليه السلام

﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) ﴾ [ النمل ]

(4) دعاء الصالحين فى القرآن الكريم :

﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)
[ الأحقاف ]

﴿ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) ﴾ [ الإسراء ]

دعاء بر الوالدين للإمام علي زين العابدين رضي الله عنه :

اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وأزواجه وذريته ، واخصص أبّويَّ بأفضل ما خصصت به آباء عبادك المؤمنين وأمهاتهم يا أرحم الراحمين .

اللهم وإن سبقت مغفرتك لهما فشفعهما فيَّ ، وإن سبقت مغفرتك لي فشفعنى فيهما ، حتى نجتمع في دار كرامتك ، ومحل مغفرتك ورحمتك ، إنك ذو الفضل العظيم ، والمنِّ القديم ، وأنت أرحم الراحمين .

وجوب الدعاء للوالدين :

قال الله تعالى : ﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) ﴾ [ الإسراء ]

الأمر هنا للوجوب ، فيجب على الولد أن يدعو لوالديه بالرحمه ، وقد سئل سفيان الثوري : كم يدعو الإنسان لوالديه ؟ في اليوم مرة أو في الشهر أو في السنة ؟ قال : نرجو أن يجزيه إذا دعا لهما في آخر التشهد كما قال الله تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) ﴾ [ الأحزاب ]

فكانوا يرون أن التشهد يكفي في الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وقال بعض التابعين : من دعا لوالديه خمس مرات فقد أدى حقهما في الدعاء لأن الله تعالى قال : ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) ﴾ [ لقمان ]

فشكر الله تعالى أن يصلي في كل يوم خمس مرات ، وكذلك شكر الوالدين أن يدعو لهما في كل يوم خمس مرات .

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « إذا ترك العبد الدعاء للوالدين انقطع عنه الرزق » ( الحاكم ) .

دعاء الوالدين مستجاب فاطلب الدعاء :

قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « ثلاث دعوات مستجاب لهن ولا شك فيهن : دعوة المظلوم ، ودعوة المسافر ، ودعوة الوالدين على الولد » ( أحمد والبخاري ) وفي رواية « دعوة الوالد لولده » .

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « أربعة دعوتهم مستجابة : الإمام العادل والرجل يدعو لأخيه بظهر الغيب ، ودعوة المظلوم ، ورجل يدعو لولده » ( أبو نعيم في الحلية ) .

طلب أحد من أحد الصالحين أن يدعو لابنه ، فقال : دعاؤك له أبلغ ، دعاء الوالد لولده كدعاء النبي لأمته .


الفصل الثاني : بر الوالدين في القرآن الكريم

في القرآن الكريم آيات كثيرة تدعو إلى عبادة الله وحده مقرونة بالإحسان إلى الوالدين :

(1) قال الله تعالى : ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ … (215) ﴾ [ البقرة ]

(2) ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ … (36) ﴾ [ النساء ]

(3) ﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ … (151) ﴾ [ الأنعام ]

(4) ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) ﴾ [ الإسراء ]

(5) ﴿ وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ … (15) ﴾ [ لقمان ]

(6) ﴿ وَوَصَّيْنَا الأنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) ﴾ [ الأحقاف ]

ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاث :

قال ابن عباس رضي الله عنه : ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاث لا تقبل منها واحد بغير قرينتها :

(1) قول الله تعالى : ﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ …… (59) ﴾ [ النساء ] فمن أطاع الله ولم يطع الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يقبل منه .

(2) قول الله تعالى : ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ …… (56) ﴾ [ النور ] فمن صلى ولم يزك لم يقبل منه .

(3) قول الله تعالى : ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) ﴾ [ لقمان ] فمن شكر الله ولم يشكر والديه لم يقبل منه .

الفصل الثالث : الترهيب من عقوق الوالدين

ويحتوي على الأحاديث النبوية الدالة على :

(1) إن الله حرم عقوق الأمهات .

(2) لا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك .

(3) عقوق الوالدين من أكبر الكبائر .

(4) من الكبائر شتم الرجل والديه .

(5) من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه .

(6) العاق لوالديه لا يدخل الجنة .

(7) العاق لوالدين لا ينظر الله إليه .

(8) العاق لوالديه لا يقبل الله منه فرضًا ولا نفلاً .

(9) عقوق الوالدين لا ينفع معه عمل .

(10) إن الله يعجل للعاق لوالديه عقوبته في الدنيا .

(1) إن الله حرم عقوق الإمهات .

قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ، ووأد البنات ، ومنعًا وهات ، وكره لكم قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال » ( متفق عليه ) .

(2) لا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك .

عن معاذ رضي الله عنه قال : أوصاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعشر كلمات قال : « لا تشرك بالله شيئًا وإن قتلت وحرقت ، ولا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك … » ( أحمد ) .

(3) عقوق الوالدين من أكبر الكبائر .

قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ ثلاثًا قلنا : بلى يا رسول الله ، قال : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وكان متكئًا فجلس ، ثم قال : ألا وقول الزور ، وشهادة الزور ، فما زال يكررها حتى قلنا : ليته سكت » ( متفق عليه ) .

(4) من الكبائر شتم الرجل والديه .

قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « من الكبائر شتم الرجل والديه ، قالوا : يا رسول الله ، وهل يشتم الرجل والديه ؟ قال : نعم ، يسب أبا الرجل فيسب أباه ، ويسب أمه فيسب فيسب أمه » ( متفق عليه ) .

(5) من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه .

قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه ، قيل : يا رسول الله ، وكيف يلعن الرجل والديه ؟ قال : يسب أبا الرجل فيسب أباه ، ويسب أمه فيسب أمه » ( متفق عليه ) .

(6) العاق لوالديه لا يدخل الجنة .

قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « ثلاثة حرم الله تبارك وتعالى عليهم الجنة : مدمن الخمر ، والعاق ، والديوث الذي يقر الخبث في أهله » ( أحمد ) .

(7) العاق لوالديه لا ينظر الله إليه .

قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة : العاق لوالديه ، ومدمن الخمر ، والمنان عطاءه ، وثلاثة لا يدخلون الجنة : العاق لوالديه ، والديوث ، والرجلة »
( النسائي ) [ الديوث : هو الذي يقر أهله على الزنا مع علمه بهم ] [ الرجلة : المرأة المتشبهة بالرجال ] .

(8) العاق لوالديه لا يقبل الله منه فرضًا ولا نفلاً .

قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « ثلاثة لا يقل الله عز وجل منهم صرفًا ولا عدلًا : عاق ، ومنان ، ومكذب بقدر » ( رواه ابن أبي عاصم ) [ الصرف : النافلة ، العدل : الفريضة ] .

(9) عقوق الوالدين لا ينفع معه عمل .

قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « ثلاثة لا ينفع معهم عمل : الشرك بالله ، وعقوق الوالدين ، والفرار من الزحف » ( الطبراني ) .

(10) إن الله يعجل للعاق لوالديه عقوبته في الدنيا

قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين فإن الله يعجله لصاحبه في الحياة قبل الموت » ( ابن حبان ) .

هل العاق إذا مات شهيدًا يدخل الجنة ؟

سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أصحاب الأعراف فقال : « هم رجال قتلوا في سبيل الله وهم عصاة لآبائهم ، فمنعتهم الشهادة أن يدخلوا النار ، ومنعتهم المعصية أن يدخلوا الجنة ، وهم على سور بين الجنة والنار حتى تذبل لحومهم وشحومهم حتى يفرغ الله من حساب الخلائق ، فإذا فرغ من حساب خلقه فلم يبق غيرهم ، تغمدهم منه برحمة فأدخلهم الجنة برحمته » ( البزار والطبراني ) .

سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أصحاب الأعراف ؟ فقال : « هم قوم قتلوا في سبيل الله وهم لآبائهم عاصون ، فمنعوا الجنة ، ومنعوا النار لقتلهم في سبيل الله » ( البيهقي ) .

وقال قائل : يا رسول الله ما أصحاب الأعراف ؟ قال : « هم قوم خرجوا في سبيل الله بغير إذن آبائهم فاستشهدوا ، فمنعتهم الشهادة أن يدخلوا النار ، ومنعتهم معصية آبائهم أن يدخلوا الجنة ، فهم آخر من يدخل الجنة » ( ابن جرير وابن مردويه ) .

قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « إن أصحاب الأعراف قوم خرجوا غزاة في سبيل الله وآباؤهم وأمهاتهم ساخطون عليهم ، وخرجوا من عندهم بغير إذنهم ، فأوقفوا عن النار بشهادتهم ، وعن الجنة بمعصيتهم آباءهم » . ( ابن مردويه ) .

الفصل الرابع : الترغيب في بـر الوالدين

ويحتوي على الأحاديث النبوية الدالة على :

(1) بر الوالدين من أحب الأعمال إلى الله .

(2) رضا الله في رضا الوالدين .

(3) الوالدان أحق الناس بالمعادلة الحسنة .

(4) رضا الوالدين يجعل لك بابين مفتوحين من الجنة .

(5) بر الوالدين أفضل من الجهاد .

(6) إذا كنت بارًا فأنت حاج ومعتمر ومجاهد .

(7) الجنة عند رجل الأم ، وفى راوية تحت أرجل الوالدين .

(8) إن الله يغفر للبار وإن عمل ما شاء .

(9) بر الوالدين يطيل العمر ويوسع الرزق .

(10) النظر إلى الوالدين عبادة .

(11) فضل النفقة على الوالدين .

(12) فضل التصدق عن الوالدين .

(13) من بر والديه بره أولاده جزاءً وفاقًا .

(1) بر الوالدين من أحب الأعمال إلى الله .

عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال : سألت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أي العمل أحب إلى الله ؟ قال : الصلاة على وقتها . قلت : ثم أي ؟ قال : بر الوالدين . قلت : ثم أي ؟ قال : الجهاد في سبيل الله . ( متفق عليه ) .

(2) رضا الله في رضا الوالدين .

قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « رضا الله في رضا الوالد ، وسخط الله في سخط الوالد » ( الترمذي ) .

وقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « رضا الرب تبارك وتعالى في رضا الوالدين ، وسخط الله تبارك وتعالى في سخط الوالدين » ( البزار ) .

وقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « من أرضى والديه فقد أرضى الله ، ومن أسخط والديه فقد أسخط الله » ( رواه ابن النجار ) .

(3) الوالدان أحق الناس بالمعاملة الحسنة .

جاء رجل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال : « أمك » ، قال : ثم من ؟ قال : « أمك »، قال : ثم من ؟ قال :
« أمك » قال : ثم من ؟ قال : « أبوك » ( البخاري ومسلم ) . فقد جعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثلاثة أرباع البر والطاعة للأم ، والربع للأم ، وكان الإمام الحسن ـ رضي الله عنه ـ يقول : ثلثا البر والطاعة للأم ، والثالث للأب .

(4) رضا الوالدين يجعل لك بابين مفتوحين من الجنة .

عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال : قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « من أصبح مطيعًا لله في والديه أصبح له بابان مفتوحان من الجنة ، وإن كان واحدًا فواحد ، ومن أمسى عاصيًا لله تعالى في والديه أصبح له بابان مفتوحان من النار ، وإن كان واحدًا فواحد » . قال رجل : وإن ظلماه ؟ قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « وإن ظلماه وإن ظلماه وإن ظلماه » ( رواه الحاكم ) .

وفي رواية : « من أصبح والداه راضيين عنه أصبح له بابان مفتوحان من الجنة ، ومن أصبحا ساخطين عليه أصبح له بابان مفتوحان من النار ، وإن كان واحد فواحدًا » . فقيل : وإن ظلماه ؟ قال : « وإن ظلماه وإن ظلماه » ( رواه الرادقطني ) .

(5) بر الوالدين أفضل من الجهاد .

جاء رجل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاستأذنه في الجهاد ، فقال : « أحي والداك ؟ » قال : نعم . قال : « فيهما فجاهد » ( مسلم ) .

عن طلحة بن معاوية السلمي ـ رضي الله عنه ـ قال : أتيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقلت : يا رسول الله إني أريد الجهاد في سبيل الله . قال : « أمك حية ؟ » قلت : نعم . قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « الزم رجلها فثم الجنة » ( الطبراني ) .

عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : أتى رجل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستأذنه في الجهاد ، فقال : « أحي والدك ؟ » قال : نعم . قال : « ففيهما فجاهد » ( مسلم ) .

عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال : قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ
« نومك على السرير برًا بوالديك تضحكهما ويضحانك أفضل من جهادك بالسيف في سبيل الله ( البيهقي في شعب الإيمان)

(6) إذا كنت بارًا فأنت حاج ومعتمر ومجاهد .

عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال : أتى رجل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : إني أشتهي الجهاد ولا أقدر عليه ، فقال : « هل بقي من والديك أحد ؟ » قال : أمي ، فقال : « قابل الله في برها ، فإذا فعلت ذلك فأنت حاج ومعتمر ومجاهد » ( الطبراني في الأوسط ) .

وفي رواية البيهقي بلفظ : « فاتق الله فيها فإذا فعلت ذلك فأنت حاج ومعتمر ومجاهد فإذا دعتك أمك فاتق الله وبرها » والمراد حصول ثواب الحج النافلة لا الفريضة .

(7) الجنة عند رجل الأم ، وفى راوية تحت أرجل الوالدين .

عن معاوية بن جاهمة أن جاهمة جاء إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : يا رسول الله أردت أن أغزو ، وقد جئت أستشيرك . فقال : « هل لك من أم ؟ » قال : نعم . قال : « فالزمها ، فإن الجنة عند رجليها » ( النسائي وابن ماجة ) .

وفي رواية : قال : أتيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أستشيره في الجهاد ، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « ألك والدان » ؟ فقلت : نعم . قال : « الزمهما فإن الجنة تحت أرجلهما » ( الطبراني ) .

قال الطيبي ـ رحمه الله تعالى ـ : قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « تحت أرجلهما » هو كناية عن غاية الخضوع ونهاية التذلل كما في قول الله تعالى : ﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) ﴾ [ الإسراء ] .

(8) إن الله يغفر للبار وإن عمل ما شاء .

عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قال : قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « يقال للعاق اعمل ما شئت من الطاعة فإني لا أغفر لك ، ويقال للبار اعمل ما شئت فإني أغفر لك » ( رواه أبو نعيم في الحلية ) .

وعن معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :
«
ليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار ، وليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة » ( الحاكم ) .

وقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « لو علم الله شيئًا من العقوق أدنى من أف لحرمه ، فليعمل العاق ما شاء فلن يدخل الجنة ، وليعمل البار ما شاء فلن يدخل النار » ( رواه الديلمي في مسند الفردوس ) .

(9) بر الوالدين يطيل العمر ويوسع الرزق .

قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « من سره أن يمد له في عمره ويزاد في رزقه فليبر والديه وليصل رحمه » ( أحمد ) .

وقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « من أحب أن يبسط له في رزقه ، وينسأ له في أثره ، فليصل رحمه » ( متفق عليه ) .

[ ينسأ له في أثره : أي يؤخر له في أجله وعمره ]

قال أحد الصالحين : بر الوالدين شكر لله تعالى لأن الله عز وجل قال : ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) ﴾ [ لقمان ] . فإذا برهما فقد شكرهما ، ومن شكرهما فقد شكر لله تعالى ، وقد قال الله عز ووجل : ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لازِيدَنَّكُمْ … (7) ﴾
[ إبراهيم ] فهو سبحانه وتعالى يتفضل بالزيادة للشاكرين في الرزق وغيره .

عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال : قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « إن البر والصلة ليطيلان الأعمار ويعمران الديان ويكثران الأموال ولو كان القوم فجارًا »
[ الديلمي في مسند الفردوس ] .

وعن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال : قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
« إن الإنسان ليصل رحمه وما بقي من عمره إلا ثلاثة أيام فيزيد الله في عمره ثلاثين سنة ، وإن الرجل ليقطع رحمه وقد بقي من عمره ثلاثون سنة فينقص الله عمره حتى لا يبقى إلا ثلاثة أيام » [ رواه أبو موسى المديني في الترغيب وحسنه ) .

(10) النظر إلى الوالدين عبادة .

قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « ما من رجل ينظر إلى والديه نظرة رحمة إلا كتب الله له بها حجة مقبولة مبرورة » ( رواه البيهقي في شعب الإيمان ) ، وفي رواية بلفظ : « ما من ولد بار ينظر إلى والديه نظرة رحمة إلا كتب الله له بكل نظرة حجة مبرورة » . قالوا : وإن نظر كل يوم مائة مرة ؟ قال : « نعم ، الله أكبر وأطيب » .

قال العلماء : [ أكبر : أي أعظم مما يتصور وخيره أكثر مما يحصى ويحصر ] .
[ وأطيب : أي أطهر من أن ينسب إلى قصور في قدرته ونقصان في مشيئته وإراداته ] . وقالوا : هو رد لاستبعاده من أن يعطى الرجل بسبب النظرة حجة وإن نظر مئة مرة يعني الله أكبر مما في اعتقاده من أنه لا يكتب له تلك الأعداد الكثيرة ولا يثاب عليه بما هو أطيب .

وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : « النظر في ثلاثة أشياء عبادة : النظر في وجه الأبوين ، وفي المصحف ، وفي البحر » ( رواه أبو نعيم ).

وفي رواية : « النظر إلى الكعبة عبادة ، والنظر إلى وجه الوالدين عبادة ، والنظر في كتاب الله عبادة » ( أبو داود ) .

احذ أن تحد النظر إلى الوالدين

قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « ما بر أباه من حد إليه الطرف بالغضب » ( البيهقي ) ومعناه أن من نظر إلى والديه نظرة غضب كان عاقًا وإن لم يكن يتكلم بالغضب ، فالعقوق كما يكون بالقول والفعل يكون بمجرد النظر المشعر بالغضب والمخالفة .

وقال ابن أبي حاتم في قوله : ﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ .. (24)
[ الإسراء ] قال : إن أغضباك فلا تنظر إليهما شزرًا فإنه أول ما يعرف غضب المرء شدة نظره إلى من غضب عليه .

(11) فضل النفقة على الوالدين .

قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا … (15) ﴾ [ لقمان ] ، وقال الله عز جل : ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا … (23) ﴾ [ الإسراء ] ، وليس من الإحسان ولا من المصاحبة بالمعروف أن يموت الوالدان جوعًا والولد في سعة من العيش .

قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « ….. ومن سعى على والديه فهو في سبيل الله ، ومن سعى على عياله فهو في سبيل الله ، ومن سعى على نفسه يغنيها فهو في سبيل الله تعالى » ( البيهقي ) .

وقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « الساعي على والديه ليكفيهما أو يغنيهما عن الناس فهو في سبيل الله ، والساعي على نفسه ليغنيها أو يكفيها عن الناس فهو في سبيل الله » ( الطبراني ) .

(12) فضل التصدق عن الوالدين .

قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « ما على أحد إذا أراد أن يتصدق بصدقة أن يجعلها لوالديه فيكون لوالديه أجرها ويكون له مثل أجورهما من غير أن ينقص من أجورهما شيء » ( الطبراني ) .

(13) من بر والديه بره أولاده جزاءً وفاقًا .

قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « بروا آباءكم تبركم أبناؤكم وعفوا تعف نساؤكم » ( الطبراني ) .

وقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « عفوا تعف نساؤكم ، وبروا آباءكم تبركم أبناءكم ، ومن اعتذر إلى أخيه المسلم من شيء بلغه عنه فلم يقبل عذره لم يرد علي الحوض » ( الطبراني ) .

وكذلك من عق والديه عقه أولاده ، قال الله عز وجل : ﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ … (123) ﴾ [ النساء ]

وقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « البر لا يبلى والذنب لا ينسى والديان لا يموت فكن كما شئت فكما تدين تدان » ( الديلمي ) .

وعن ثابت البناني قال : رأيت رجلاً يضرب أباه في موضع فقيل له : ما هذا ؟ فقال الأب : خلوا عنه فإني كنت أضرب أبي في هذا الموضع فابتليت بابني يضربني في هذا الموضع .

كيف تكتب عند الله بارًا بوالديك بعد موتهما ؟

قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « من قضى دين والديه بعد موتهما وأوفى نذرهما ولم يستسب لهما كتب بارًا وإن كان عاقًا بهما ، ومن لم يقض دينهما ولم يوف نذرهما واستسب لهما فقد عقهما وإن كان بارًا في حياتهما » ( ابن عساكر ) .

وقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « استفغار الولد لأبيه من بعد الموت من البر » ( أخرجه ابن النجار ) .

﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41) ﴾ [ إبراهيم ]

بعد وفاة الوالدين كيف يصبح العاق بارًا ؟

قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « إن العبد ليموت والداه أو أحدهما وإنه لهما لعاق فلا يزال يدعو لهما ويستغفر لهما حتى يكتبه الله بارًا » ( البيهقي في شعب الإيمان )

وقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « إن الرجل ليموت والداه وهو عاق لهما فيدعو الله لهما من بعدهما فيكتبه من البارين » ( البيهقي ) .

وأخرج البيهقي في الشعب عن الأوزراعي قال : بلغني أن من عق والديه في حياتهم ثم قضى دينًا إن كان عليهما ، واستغفر لهما ، ولم يستسب لهما كتب بارًا ، ومن بر والديه في حياتهما ، ثم لم يقض دينًا إذا كان عليهما ، ولم يستغفر لهما ، واستسب لهما كتب عاقًا .

﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ .. (28) ﴾ [ نوح ]

الفصل الخامس : كيف يكون بر الوالدين ؟

بر الوالدين يكون بطاعتهما فيما يأمران به ما لم يكن بمحظور ، وتقديم أمرهما على فعل النافلة ، والاجتناب لما نهيا عنه ، والإنفاق عليهما ، والتوخي لشهواتهما [ أي فعل ما يحبون ويشتهون ] ، والمبالغة في خدمتهما ، واستعمال الأدب والهيبة لهما . (فلا يرفع الولد صوته ولا يحدق إليهما ، ولا يدعوهما باسمهما ويمشي وراءهما ويصبر على ما يكره مما يصدر منهما ] ( قال ذلك الشيخ ابن الجوزي رحمه الله ) .

سئل الحسن البصري ـ رضي الله عنه ـ عن بر الوالدين فقال : أن تبذل لهما ما ملكت ، وأن تطيعهما فيما أمراك به ، إلا أن يكون معصية ( رواه عبد الرزاق في مصنفه ) .

عن عروة بن الزبير ـ رضي الله عنه ـ في قوله تعالى : ﴿ وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) ﴾ [ الإسراء ] . قال : لا تمنعهما من شيء أراداه .

من البر لين الجانب للوالدين :

قال الله عز وجل ﴿ وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ … (24) [ الإسراء ]

قولاً كريمًا : أي قولا لينًا سهلاً ، وقال ابن المسيب : قول العبد المذنب للسيد الفظ .

وقوله تعالى : وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ … (24) [ الإسراء ] يقول : اخضع لوالديك كما يخضع العبد للسيد الفظ الغليظ .

﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ … (24) [ الإسراء ] لا ترفع يديك عليهما إذا كلمتهما ( ابن المنذر ) .

من البر أن لا يسمي والديه باسميهما :

عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالا : أتى رجل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومعه شيخ ، فقال : من هذا معك ؟ قال : أبي . قال : لا تمش أمامه ، ولا تقعد قبله ، ولا تدعه باسمه ، ولا تستسب له . ( الطبراني ) .

من البر القيام للوالدين :

عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قال : ما رأيت أحد أشبه سمتًا ولا هديًا برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من فاطمة ـ رضي الله عنها ـ بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

وقال : وكانت إذا دخلت على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه ، وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها . ( النسائي ) .

قال حسان ـ رضي الله عنه ـ عند رؤية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :

قيـامـي للعـزيـز عــليّ حــق وتـرك الحـق مـا لا يستقيــم

فهل أحـد لـه عقـــل ولـب ومعـرفة لا يـراك ولا يقـوم ؟

من البر صلة أصدقاء الوالدين :

عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنه ـ أن رجلاً من الأعراب لقيه بطريق مكة فسلم عليه عبد الله بن عمر وحمله على حمار كان يركبه وأعطاه عمامة كانت على رأسه ، قال ابن دينار : فقلنا له : أصلحك الله إنهم الأعراب وهم يرضون باليسير ، فقال عبد الله بن عمر : إن أبا هذا كان ودًا لعمر بن الخطاب ، وإني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : « إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه » . وفي رواية « إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه من بعد أن يولى » ( مسلم ) .

من البر إمضاء وصية الوالدين :

جاء رجل من بني سلمة فقال : يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما ؟ قال : « نعم ، الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما » ( أبو داود ) .

وفي رواية : قال الرجل : ما أكثر هذا يا رسول الله وأطيبه ! قال : « فاعمل به »
( ابن حبان ) .

من البر الحج عن الوالدين :

قال النبي صلى الله عليه وسلم : « من حج عن أبيه وأمه فقد قضى عنه حجته وكان له فضل عشر حجج » ( الدارقطني ) .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « من حج عن والديه أو قضى عنهما مغرمًا بعثه الله يوم القيامة مع الأبرار » ( الدارقطني )

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « من حج عن والديه بعد وفاتهما كتب الله له عتقًا من النار ، وكان للمحجوج عنهما أجر حجة تامة من غير أن ينقص من أجرهما شيء ، وما وصل ذو رحم رحمه بأفضل من حجة يدخلها عليه » ( البيهقي )

جاءت امرأة من جهينة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها ؟ قال : « نعم ، حجي عنها ، أفرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته ؟ اقضوا دين الله فالله أحق بالوفاء » ( البخاري ).

جاء رجل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : إن أبي مات وعليه حجة الإسلام أفأحج عنه ؟ قال : « أرأيت لو أن أباك ترك دينًا عليه أقضيته عنه ؟ » قال : نعم . قال : « فاحجج عن أبيك » ( النسائي ) .

من البر النفقة على الوالدين وإنها واجبة

قال الله عز وجل : ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا … (15) ﴾ [ لقمان ]

وقال الله عز وجل : ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا … (23) ﴾ [ الإسراء ] وليس من الإحسان ولا من المصاحبة بالمعروف أن يموت الوالدان جوعًا والولد غني في سعة من العيش .

أتى رجل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : إن لي مالاً وإن والدي يحتاج إلى مالي ؟ قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « أنت ومالك لوالدك . إن أولادكم من أطيب كسبكم ، كلوا من كسب أولادكم » ( أحمد ) .

أنت ومالك ملك لأبيك :

عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أن رجلاً أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : إن أبي يريد أن يأخذ مالي ، قال : « أنت ومالك لأبيك » ( رواه البزار ) .

وقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لرجل : « أنت ومالك لأبيك » ( رواه البزار )

جاء إلى أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ رجل ومعه أبوه فقال الرجل : يا خليفة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، إن أبي يريد أن يأخذ مالي كله فيجتاحه . فقال أبو بكر لأبيه : ما تقول ؟ قال : نعم ، فقال أبو بكر : إنما لك من ماله ما يكفيك ، فقال : يا خليفة رسول الله ، أما قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أنت ومالك لأبيك ؟ فقال له أبو بكر : ارض بما رضي الله عز وجل ( رواه الطبراني ) المعنى : ( لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ) ، وليس للأب من مال ابنه إلا ما يكفيه بالمعروف إذا كان محتاجًا .

هل يجب طاعة الوالدين في طلاق المرأة ؟

عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال : كانت تحتي امرأة أحبها ، وكان أبي يكرهها ، فأمرني أن أطلقها فأبيت ، فذكر ذلك لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : « يا عبد الله بن عمر طلق امرأتك » وفي لفظ بعضهم : « أطع أباك وطلق امرأتك » . ( رواه أحمد ) .

وسأل رجل الإمام أحمد ـ رضي الله عنه ـ فقال : إن أبي يأمرني أن أطلق امرأتي فهل أطلقها ؟ قال : لا تطلقها ، فقال له الرجل : أليس عمر أمر ابنه أن يطلق امرأته فطلقها ؟ قال : حتى يكون أبوك مثل عمر ـ رضي الله عنه ـ .

فهذا يدل على أن الأب الذي تجب طاعته في مثل هذا يشترط أن يكون مثل سيدنا عمر ـ رضي الله عنه ـ ينظر بنور الله .

الفصل السادس : من أقوال الصالحين وأحوالهم في بر الوالدين

(1) قال الحسن البصري ـ رضي الله عنه ـ : ما يعدل بر الوالدين شيء من التطوع ، لا حج ولا جهاد .

(2) بكى إياس بن معاوية ـ رضي الله عنه ـ حين ماتت أمه فقيل له : لماذا ذلك ؟ قال : كان لي بابان مفتوحان إلى الجنة فأغلق أحدهما .

(3) قال هشام بن حسان : قلت للحسن بن علي ـ رضي الله عنهما ـ إني أتعلم القرآن وأن أمي تنتظرني للعشاء ، فقال الحسن ـ رضي الله عنه ـ تعش العشاء مع أمك تقر به عينها أحب من حجة تحجها تطوعًا .

(4) قال أحد الصالحين : بر الوالدين شكر لله تعالى ، لأن الله تعالى قال : ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ …. (14) ﴾ [ لقمان ] ، فإذا برهما فقد شكرهما ، ومن شكرهما فقد شكر الله ، وقال قال الله : ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لازِيدَنَّكُمْ … (7) ﴾ [ إبراهيم ] فهو سبحانه وتعالى يتفضل بالزيادة للشاكرين .

(5) قال بعض الحكماء : من وقر أباه طال عمره ، ومن وقر أمه رأى ما يسره ، ومن أحدّ النظر إلى أبويه عقهما .

(6) قال مالك بن أنس ـ رضي الله عنه ـ : ومن لم يدرك أبويه أو أحدهما فلا بأس أن يقول : ﴿ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) ﴾ [ الإسراء ]

(7) قيل لعلي بن الحسن ـ رضي الله عنه ـ إنك من أبر الناس ولا تأكل مع أمك في صحفة ، فقال : أخاف أن تسبق يدي يدها إلى ما تسبق عيناها إليه ، فأكون قد عققتها . ( المستطرف ) .

(8) سئل الحسن ـ رضي الله عنه ـ : ما بر الوالدين ؟ قال : أن تبذل لهما ما ملكت ، وتطيعهما فيما أمراك ، ما لم يكن معصية . قيل : فما العقوق ؟ قال : أن تهجرهما وتحرمهما ، ثم قال : أما علمت أن نظرك في وجه والديك عبادة ؟ فكيف بالبر بهما ؟

(9) قال الإمام الذهبي ـ رضي الله عنه ـ تريد أن تدخل الجنة بزعمك ، وهي تحت أقدام أمك ؟

(10) طلب رجل من بشر بن الحارث أن يدعو لابنه ، فقال : دعاؤك له أبلغ . دعاء الوالد لولده كدعاء النبي لأمته .

(11) قال ابن عمر : البر شيء هين : وجه طليق ، وكلام لين .

(12) قال مسعر ـ رضي الله عنه ـ : مضاحكة الوالدين على الأسرة أفضل من جهادك بالسيف في سبيل الله تعالى .

(13) قال بشر ـ رضي الله عنه ـ : لا يقدر أحد أن يجازي أمه مهما فعل .

(12) رأى ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ رجلاً قد حمل أمه على رقبته : وهو يطوف بها الكعبة ، فقال : يا ابن عمر ، أتراني جازيتها ؟ قال : ولا بطلقة واحدة من طلقاتها ، ولكن قد أحسنت ، والله يثيبك على القليل كثيرًا . ( الكبائر للذهبي ) .

الفصل السابع : إرشادات مهمة كي تكون من البارين بوالديهم

أخي في الله : ( هذه الإرشادات من كتاب بهجة الناظرين فيما يصلح الدنيا والدين ) جاهد نفسك في تطبيق هذه الإرشادات وبإذن الله ستكون من البارين بوالديهم .

(1) خاطب والديك بأدب ﴿ فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) ﴾ [ الإسراء ] .

(2) أطع والديك دائمًا في غير معصية ، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .

(3) تلطف مع والديك ولا تعبس في وجهيها ، ولا تحدق النظر إليهما غاضبًا .

(4) حافظ على سمعة والديك وشرفهما ومالهما ، ولا تأخذ منهما شيئًا بدون إذنهما .

(5) اعمل ما يسر والديك ولو في غير أمرهما ، كالخدمة وشراء اللوازم والاجتهاد .

(6) شاور والديك في أعمالك كلها ، واعتذر لهما إذا اضطررت للمخالفة .

(7) أجب بنداء والديك مسرعًا بوجه مبتسم قائلاً : لبيك يا أبي ، لبيك يا أمي .

(8) أكرم أصدقاء والديك وأقرباءهما ، ولا تصادق عدوهما في حياتهما وبعد موتهما .

(9) لا تجادل والديك ، ولا تخطئهما ، وحاول بأدب أن تبين لهما الصواب .

(10) لا تعاند والديك ولا ترفع صوتك عليهما ، وأنصت لحديثهما وتأدب معهما ، ولا تزعج أحد إخوتك إكرامًا لوالديك .

(11) ساعد أمك في البيت ، ولا تتأخر عن مساعدة أبيك في العمل .

(12) لا تسافر إذا لم يأذن لك والداك ولو لأمر مهم ، فإن اضطررت فاعتذر لهما ولا تقطع رسائلك عنهما .

(13) لا تدخل على والديك بدون إذنهما ولا سيما في وقت نومهما وراحتهما .

(14) إذا كان عند والديك ضيف فقم بالخدمة ، وراقب نظرهما لعلهما يريدان شيئًا .

(15) لا تتناول طعامًا قبل والديك ، وأكرمهما في الطعام والشراب واللباس .

(16) لا تكذب عليهما ، ولا تلمهما إذا عملا عملاً لا يعجبك .

(17) لا تفضل زوجتك وأولادك على والديك ، واطلب رضاهما قبل كل شيء لأن رضا الله في رضا الوالدين وسخط الله في سخط الوالدين .

(18) لا تجلس في مكان أعلى من والديك ولا تمش أمامهما .

(19) لا تتكبر في الانتساب إلى أبيك ولو كنت ذا مركز كبير ، واحذر أن تنكر معرفتهما أو تؤذيهما ولو بكلمة واحدة .

(20) لا تبخل بالنفقة على والديك حتى يشكواك فهذا عار عليك ، وسترى ذلك من أولادك فكما تدين تدان والجزاء من جنس العمل .

(21) أكثر من زيارة والديك وتقديم الهدايا لهما واشكرهما على تربيتك وتعبهما عليك ، واعتبر بأولادك وما تقاسيه معهم .

(22) أحق الناس بالإكرام أمك ثم أبوك ، واعلم أن الجنة تحت أقدام الوالدين .

(23) احذر أن تعق الوالدين وتغضبهما فتشقى في الدنيا والآخرة ، وسيعاملك أولادك بمثل ما تعامل به والديك .

(24) إذا طلبت شيئًا من والديك فتلطف بهما واشكرهما إن أعطياك ، واعذرهما إن منعاك ، ولا تكثر طلباتك لئلا تزعجهما .

(25) إذا أصبحت قادرًا على كسب الرزق فاعمل وساعد والديك فأنت ومالك لأبيك .

(26) إن لوالديك عليك حقًا ، ولزوجتك عليك حقًا ، ولأولادك عليك حقًا ، ولإخوانك عليك حقًا ، فأعط كل ذي حق حقه ، وحاول التوفيق بين هذه الحقوق وإن اختلفت ، وقدم لهما الهدايا سرًا وجهرًا فالهدية تجلب المحبة وتذهب الغضب والبغضاء .

(27) إذا اختصم أبواك مع زوجتك فكن حكيمًا وأفهم زوجتك أنك معها إن كان لها الحق وأنك مضطر لترضي والديك .

(28) إذا اختلفت مع والديك في الزواج والطلاق فاحتكموا إلى الشرع فهو خير عون لكم .

(29) دعاء الوالدين مستجاب فاحرص على أن يدعو لك والداك بالخير ، واحذر دعاءهما عليك بالشر .

(30) تأدب مع الناس ، فمن سب الناس سبوه . قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
« من الكبائر شتم الرجل والديه .. يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه » ( متفق عليه ) .

(31) بر والديك في حياتهما ، وبعد موتهما ، وتصدق عنهما وأكثر من الدعاء لهما قائلاً : ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ … (41) ﴾ [ إبراهيم ] ، ﴿ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) ﴾ [ الإسراء ] .

وأحب أن أنبه أن التربية الإسلامية الصحيحة وتعويد الأبناء من الصغر على الأفعال الطيبة وتشجيعهم وتعويدهم على ذلك له الأثر الكبير في بر الوالدين .

أسأل الله أن يوفقنا جميعًا إلى بر والدينا والدعاء لهم في حياتهم وبعد مماتهم ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

الفصل الثامن : بر الأنبياء عليهم السلام والصالحين

(1) بر النبي صلى الله عليه وسلم :

عن أبي بريدة عن أبيه ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور ، فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه ، فزوروها فإنها تذكر الآخرة ( الترمذي ) .

عن ابن عباس قال : لما ماتت فاطمة أم علي ، ألبسها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قميصه ، واضطجع معها في قبرها ، فقالوا : ما رأيناك يا رسول الله صنعت هذا ، فقال : إنه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبر بي منها ، إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة ، واضطجعت معها ليهون عليها ( سير أعلام النبلاء ) .

عن أبي الطفيل قال : رأيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : يقسم لحمًا بالجعرانة وأنا غلام شاب ، فأقبلت امرأة ، فلما رآها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، بسط لها رداءه فقعدت عليه ، فقلت : من هذه ؟ قالوا : أمه التي أرضعته . ( شرح السنة ) .

وعن عمر بن السائب أنه بلغه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان جالسًا يومًا فأقبل أبوه من الرضاعة ، فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه ، ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه ، ثم أقبل أخوه من الرضاعة ، فقام له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأجلسه بين يديه . ( رواه أبو داود ) .

[ أبوه من الرضاعة هو الحارث بن عبد العزى السعدي زوج حليمة السعدية مرضعته وأمه من الرضاعة ، وأخوه من الرضاعة هو ولدهما عبد الله بن الحارث ] .

(2) بر سيدنا إبراهيم عليه السلام :

قال الله تعالى : ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لآبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لارْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) [ مريم ]

﴿ وَاغْفِرْ لأبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) ﴾ [ الشعراء ] .

(3) بر سيدنا إسماعيل عليه السلام :

قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) [ الصافات ]

(4) بر سيدنا يوسف عليه السلام :

قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ …. ﴾ [ يوسف ]

(5) بر سيدنا عيسى عليه السلام :

قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُوَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) [ مريم ]

(6) بر سيدنا يحيى بن زكريا عليهما السلام :

قال الله ـ تعالى ـ : ﴿ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15) ﴾ [ مريم ]

بر الصحابة رضي الله عنهم :

كان أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ إذا أراد أن يخرج من بيته وقف على باب أمه فقال : السلام عليك يا أماه ورحمة الله وبركاته ، رحمك الله كما ربيتني صغيرًا . فتقول : رحمك الله كما بررتني كبيرًا . وإذا أراد أن يدخل صنع مثل ذلك .

قالت السيدة عائشة ـ رضي الله عنه ـ : كان رجلان من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أبر من كان في هذه الأمة بأمهما : عثمان بن عفان ، وحارثة بن النعمان ـ رضي الله عنه ـ أما عثمان فإنه قال : ما قدرت أن أتأمل وجه أمي منذ أسلمت . وأما حارثة فكان يطعهما بيده ، ولم يستفهمها كلامًا قط تأمره به حتى يسأل من عندها بعد أن يخرج : ماذا قالت أمي ؟ وعن عائشة ـ رضي الله عنه ـ قالت : قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « دخلت الجنة فسمعت فيها قراءة فقلت : من هذا ؟ قالوا : حارثة بن النعمان ، كذلكم البر ، كذلكم البر » وفي رواية زاد : وكان أبر الناس بأمه ( شرح السنة ) .

عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن رجلاً من الأعراب لقيه بطريقة مكة ، فسلم عليه عبد الله بن عمر وحمله على حمار كان يركبه ، وأعطاه عمامة كانت على رأسه ، قال ابن دينار : فقلنا لابن عمر : أصلحك الله إنهم الأعراب وهم يرضون باليسير ، فقال ابن عمر : إن أبا هذا كان ودا لعمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وإني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : « إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه » ( رياض الصالحين ) .

رضا الوالدة مقدم على رضا الزوجة قصة علقمة ـ رضي الله عنه ـ :

عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال : كان شاب في عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسمى علقمة ، وكان شديد الاجتهاد ، عظيم الصدقة ، فمرض ، فاشتد مرضه ، فبعثت امرأته إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إن زوجي في النزع [ أي يحتضر ] فأردت أن أعلمك بحاله ، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لبلال وعلي وسلمان وعمار : اذهبوا إلى علقمة فانظروا ما حاله . فانطلقوا حتى دخلوا عليه ، فقالوا له : قل لا إله إلا الله ، فلم ينطق لسانه ، فلما أيقنوا أنه هالك ، بعثوا بلالاً إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليخبره بحاله ، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « هل له أبوان ؟ » فقيل له : أما أبوه فقد مات ، وله أم كبيرة السن ، فقال : « يا بلال انطلق إلى أم علقمة ، فأقرئها مني السلام ، وقل لها إن قدرت على المسير إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وإلا فقرّي حتى يأتيك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ » فأخبرها ، فقالت : نفسي لنفسه الفداء ، أنا أحق بإتيانه ، فأخذت العصا فمشت حتى دخلت على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلما أن سلمت عليه ، رد عليها السلام ، فجلست بين يدي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : « اصدقيني ، إن كذبتني جاءني الوحي من الله تعالى ، كيف كان حال علقمة ؟ » قالت : يا رسول الله ، كان يصلي كذا ، ويصوم كذا ، وكان يتصدق بجملة من الدراهم ما يدرى كم وزنها ، وما عددها ، قال : « فما حالك وحاله ؟ » قالت : يا رسول الله إني عليه ساخطة واجدة ، قال لها : « لم ذلك ؟ » قال : يؤثر امرأته عليَّ ، ويطيعها في الأشياء ويعصيني . فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « سُخط أمه حجب لسانه عن شهادة أن لا إله إلا الله » ثم قال لبلال : « انطلق واجمع حطبًا كثيرًا حتى أحرقه بالنار » . فقالت : يا رسول الله ابني وثمرة فؤادي تحرقه بالنار بين يدي ، فكيف يحتمل قلبي ؟ فقال لها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « يا أم علقمة فعذاب الله أشد وأبقى ، فإن سرك أن يغفر الله له ، فارضي عنه ، فوالذي نفسي بيده لا تنفعه الصلاة ولا الصدقة ما دُمت عليه ساخطة » فرفعت يديها وقالت : يا رسول الله أشهد الله في سمائه ، وأنت يا رسول الله ، ومن حضرني ، أني قد رضيتُ عن علقمة . فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « انطلق يا بلال فانظر هل يستطيع علقمة أن يقول لا إله إلا الله ؟ فلعل أم علقمة تكلمت بما ليس في قلبها حياءً من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ » فانطلق بلال ، فلما انتهى إلى الباب سمع علقمة يقول : لا إله إلا الله . فلما دخل قال : يا هؤلاء إن سخط أم علقمة حجب لسانه عن الشهادة ، وإن رضاها أطلق لسانه ، فمات من يومه . فأتاه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأمر بغسله وتكفينه ، وصلى عليه ، ثم قام على شفير القبر وقال : « يا معشر المهاجرين والأنصار من فضل زوجته على أمه ، فعليه لعنة الله ، ولا يقبل منه صرف ولا عدل » [ الصرف : النوافل ، العدل : أي الفرائض ] .

كان أويس باراً بأمه فأصبح خير التابعين :

كان عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم أفيكم أويس بن عامر ؟ حتى أتى على أويس ـ رضي الله عنه ـ فقال له : أنت أويس بن عامر ؟ قال : نعم ، قال : من مراد ثم من قرن ؟ قال : نعم . قال : فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم ؟ قال : نعم . قال : لك والدة ؟ قال : نعم ، قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : « يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم ، له والدة هو بها برّ ، ولو أقسم على الله لأبره ، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل » فاستغفر لي ، فاستغفر له ، فقال له عمر : أين تريد ؟ قال : الكوفة ، قال : ألا أكتب لك إلى عاملها ؟ قال : أكون في غبراء الناس ( أي وسط عامة الناس ) أحب إليّ ، فلما كان من العام المقبل ، حج رجل من أشرافهم ، فأتى إلى عمر فسأله عمر عن أويس ، فقال : تركته رثَّ البيت ، قليل المتاع ، قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن …. كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم له والدة هو بها برّ ، لو أقسم على الله لأبره ، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل ، فأتى أويسًا فقال له : استغفر لي ، قال أويس : أنت أحدث عهدا بسفر صالح ، فاستغفر لي . قال أويس : ألقيت عمر ؟ قال الرجل : نعم . فاستغفر له أويس ، ففطن له الناس ، فانطلق على وجهه . [ له والدة هو بها بر : أي بالغ البر بها والإحسان إليها ـ قال زيد : إنما منع أويسًا أن يقدم على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بره بأمه ( صفوة الصفوة ) ] .

من قصص البر والعقوق في الأمم السابقة

(1) سيدنا إبراهيم الخليل وولده سيدنا إسماعيل عليهما السلام :

من حديث البخاري في قصة إبراهيم عليه السلام أنه أمر أن يأخذ زوجته وابنه إسماعيل ويتركهم بواد غير ذي زرع بمكة ويرجع ، ثم فجر الله تحت أقدام إسماعيل الرضيع بئر زمزم ، ثم عمر الوادي بالناس ، يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
«
وشب الغلام ـ ( أي سيدنا إسماعيل عليه السلام ) ـ وتعلم العربية منهم وأنفسهم [ أي صار ذا مكانة فيهم ] وأعجبهم حين شب ، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم . وماتت أم إسماعيل ، فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته ( أي يتفقد ما تركه ) فلم يجد إسماعيل ، فسأل امرأته عنه فقالت : خرج يبتغي لنا ـ وفي رواية : يصيد لنا ـ ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم ، فقالت : نحن بشر ، نحن في ضيق وشدة ، وشكت إليه . قال : فإذا جاء زوجك اقرئي عليه السلام ، وقولي له يغير عتبة بابه ، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئًا [ أي أحس بزيارة أبيه ] فقال : هل جاءكم من أحد ؟ قالت : نعم ، جاءنا شيخ كذا وكذا ، فسألنا عنك ، فأخبرته أنا في جهد وشدة ، قال : فهل أوصاك بشيء ؟ قال : نعم . أمرني أن أقرأ عليك السلام ، ويقول : غير عتبة بابك . قال : ذاك أبي ، وقد أمرني أن أفارقك ، الحقي بأهلك ، فطلقها .

[ إذا اختلفت مع والديك في الزواج والطلاق فاحتكموا إلى الشرع فهو خير معين لكم ] .

(2) رفيق موسى عليه السلام في الجنة :

سأل موسى عليه السلام ربه أن يريه رفيقه في الجنة ، فقال الله تعالى : اذهب إلى بلد كذا ، تجد رجلاً قصابًا [ أي جزارًا ] فهو رفيقك في الجنة ، فلما رآه موسى في حانوته [ دكانه ] وعنده زنبيل ، فقال الشاب : يا جميل الوجه ، هل لك أن تكون في ضيافتي ؟ قال موسى : نعم . فانطلق معه إلى منزله ، فوضع الطعام بين يديه ، فكان كلما أكل لقمة وضع في الزنبيل لقمتين . فبينما هو كذلك ، إذ بالباب يطرق ، فوثب الشاب وترك الزنبيل فنظر موسى فيه وإذا بشيخ وعجوز قد كبرا حتى صارا كالفرخ الذي لا ريش له ، فلما نظرا إلى موسى ، تبسما وشهدا له بالرسالة ، ثم ماتا ، فلما دخل الشاب ونظر إلى الزنبيل قبّل موسى ، وقال : أنت موسى رسول الله . قال : ومن أعلمك بذلك ؟ قال : هذان اللذان كانا في الزنبيل أبواي ، قد كبرا ، فحملتهما في الزنبيل خوفًا عليهما وكنت لا آكل ولا أشرب إلا بعدهما . وكانا يسألان الله تعالى كل يوم أن لا يقبضهما حتى ينظرا إلى موسى ، فلما رأيتهما ماتا ، علمت أنك موسى رسول الله . فقال له : أبشر … فإنك رفيقي في الجنة . قال له موسى : رأيت أمك تحرك شفتيها ، فقال : كانت إذا شبعت تقول : اللهم اجعله جليس موسى في الجنة .

( من كتاب نزهة المجالس للثعالبي عن المنتظم لابن الجوزي )

(3) قصة جريج العابد :

عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى بن مريم … وصاحب جريج ، وكان جريج رجلاً عابدًا فاتخذ صومعة فكان يتعبد فيها ، فأتته أمه وهو يصلي فقالت : يا جريج . فقال : يا رب أمي وصلاتي ، فأقبل على صلاته ، فانصرفت . فلما كان من الغد أتته وهو يصلي فقالت : يا جريج فقال : أي رب أمي وصلاتي . فأقبل على صلاته ، فقالت : اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات . فتذاكر بن إسرائيل جريجًا وعبادته ، وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها فقالت : إن شئتم لأفتننه . فتعرضت له ، فلم يلتفت إليها ، فأتت راعيًا كان يأوي إلى صومعته ، فأمكنته من نفسها ، فوقع عليها ، فحملت ، فلما ولدت قالت : هو من جريج ، فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته وجعلوا يضربونه ، فقال : ما شأنكم ؟ قالوا : زنيت بهذه البغي ، فولدت منك . قال : أين الصبي ؟ فجاءوا به فقال : دعوني حتى أصلي ، فلما انصرف أتى الصبي ، فقال : يا غلام من أبوك ؟ قال : فلان الراعي ، فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به ، وقالوا : نبني لك صومعتك من ذهب . قال : لا ، أعيدوها من طين كما كانت ، ففعلوا …. ( رواها البخاري )

﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) [ الأعراف ]

﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) ﴾ [ هود ]

About these ads

2 تعليقات to “طريقك إلى الجنة – بر الوالدين من القرآن والسنة | إعداد محمد منتصر الحلواني”

  1. القرآن الكريم Says:

    القرآن الكريم…

    [...]طريقك إلى الجنة – بر الوالدين من القرآن والسنة « باب الوصول إلى حضرة الله وحضرة الرسول[...]…

  2. amina Says:

    cv

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: